|
بـيــاء النـداء

كلنا يأتي إلى هذا الكون الملغز محمولا في قماط البدء .. محملا بلون الإهاب الأول .. يأتي وفي جوفه لسان بمقاس معلوم وبريق عينين طالع من كمياء ما قبل الوجود وقامة نحتها الله في عالم الغيب وتفاعل فيها كرم الطبيعة بدكتاتورية البيولوجيا…
بعضنا تعمد بماء مقدس وبعضنا بدم دافئ في صباح باذخ ، وشم على الهامة عنوانا أبديا سيبقى مطرزا وسيكون الهوية التي تختزل تركيبة الأنا والموضوع وسيكون أيضا هو الكينونة التي تبصم الأمكنة بظلالها والأرض بآثار قدميها الحافيتين … وسيكون أخيرا هو الوجود المتلبس بكل الروافد الجيناتية .. النووية والترابية…
في البدء كان الإسم .. يلاحقنا مثل ظلنا ..هوالمعنى والكنه .. العنوان العميق جدا فينا .. جدا في ايقاع حركاتنا وترسب سكناتنا في قعرالسبات .. هو المرآة الكاشفة للمفكر فيه واللامفكر فيه .. شهادة عشق وتميمة برونزعلى الصدرالصغير لايطالها صدأ السنين ولا يبلغ منها الذهب والماس مرتبة… بل تقاس بسفر العمرالمفترض والحياة التي تمتد هناك وراء الحياة… نحمله من المهد إلى اللحد نأتي به من تشعبات الجينيالوجيا .. يردد ه الآخرون .. تقدسه الأنا لأنه سلطة الجد ووجاهة الأب ووجدان الأم …
إنه القنديل الذي نعلقه في سقف ليل الوجود…
من منكم أيها الأحبة من عمد نفسه بنفسه ؟ من توضأ بدم فوارفي عيد العمر؟ لاأحد …حين فتحنا أعيننا كنا أشباه أحياء .. أو أشباه موتى .. لافرق .. كنا مرتدين إلى عالمنا الداخلي في إغماضتا المبهمة .. غارقين في قلق السؤال الوجودي وإحتجج االصرخة الأولى ، و كان من حولنا يتوجع الوتر على ركبة العازف الجذلان … بل منا من تكللت أسطورته المتفردة بطلقات البارود على صهوات خيول القبيلة… أما أنا فقد ألفيت النداء معلقا على الجبين كأيقونة … وكانت من حولي بعض النسوة تبلسمن جراح قدومي بأعشاب الفرح البكر… كان الجد هو المهيمن .. المسيطر .. المستبد.. ولم يجرؤ أحد من الآباء على السبق إلى تأريخ القادمين بحروف الإسم المشتهى…

كنت قنديل حكاية متفردة بعوالمها الأسطورية وشخصياتها المتلفعة في دثارالمقدس ..المنقوعة في زيت “قنديل” لايخضع لاستفزازالطبيعة.. كان مناري البحري الذي أنار لي دروب الإبداع الأدبي ، استأثرت بي أيما استئثار حتى أنه كان لايفرغ من زيته إلا وهممت مسرعا لإطعامه مرة أخرى .. وبالرغم من أن الحكاية غمرتني بسحرها الشرقي العريق فقد كنت أهيم أكثربسحرالقصيدة وأوقع أشعاري في سبعينات القرن الماضي باسمي الموثق في كناش الحالة المدنية ….

وكنت وقتئذ أنشرأشعاري على محطة الإذاعة المركزية بالرباط ضمن برنامج ” ناشئة الأدب ” الذي كان يشرف عليه الفقيدان ادريس الجاي ومن بعده الشاعرالفلسطيني وجيه فهمي صلاح وأيضا على أمواج محطة إذاعة وجدة في برنامج ” حدائق الشعر” مع أستاذنا أطال الله في عمره الشاعرالأصيل محمد بن عمارة ..كانت كلها أشعارتفضحها الدهشة والإفتتان بالنموذج القباني حيث طالعت كل أعماله الكاملة في المكتبة العتيقة بالمدينة القديمة .
عرف المشهد الشعري زمنئذ انكفاءة حول الذات من جهة ومن جهة أخرى استشراء موضة الأشعارالساخنة على موديل صرخة”مظفرالنواب” و”محمود درويش” و”البياتي” و”سميح القاسم” و”صلاح عبد الصبور” و”أدونيس” و”أحمد دحبور” و أمل دنقل و… وقد عجت الساحة الشعرية العربية والجامعية على الخصوص بشعراء شباب مدججين بقصائد ثورية .. شعراء كانوا يجردون ألسنة قصائدهم على صهوات لغة معبأة بالناروالبارود .. لغة صارخة في وجه الجغرافية العربية الممتدة على محمل التفرقة والهزيمة والمساومة والتواطؤات… وبقدر ماراهنت السلطات العربية على آليات القمع الشرس والسيطرة الممنهجة بقدرماراهنت القصيدة من جهتها على أحابيل الرمزية والإنزياحات والإستعارات والتشفيروبالتالي باتت بضبابيتها تلك تنفلت خيوطها من بين أنامل الكثيرمن المبدعين والمتلقين على السواء .. فلاالشعراء باتوا يعرفون ما يكتبون ولا القراء باتوا من جانبهم يعرفون ما يقوله الشعراء ، والكل في واده هائم ، فتعمقت الهوة بين الأطراف الثلاث ” القصيدة ـ الشاعرـ المتلقي” فلم نعد نطالع سوى طلاسم هي ضرب من اللعب بالكلمات على طريقة أب السريالية الروحي ” أندري بروتون ” وأخيرا فقد النص الشعري لذته وطراوته وحميمية تواصله وعمت الفوضى والشعرية …هذا التحول في البنية الجمالية للقصيدة حرضني على هجر قبيلة الشعراء إلى عزلة صمت دام زهاء ثماني سنوات إلى حدود أواخرالثمانينات حيث عرجت على مقام الحكاية … وحننت إلى نور ” القنديل” ، وملامح البطل “إسماعيل” ومن هذه العتبة المقدسة الضويئة اكتشفت أرخبيلات القصة القصيرة عند نجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكريا تامر وياسين رفاعية ومحمد زفزاف وأحمد المديني وإدريس الخوري ومحمد برادة وآخرون … ولم يكن يعنيني لديهم المتن القصصي والحبكة والأقنوم بقدر ما كنت أنبهر بتوقيعاتهم في أسفل النصوص . التوقيع هذا الإمتداد الرمزي للكينونة .. الإمتلاك النرجسي للعالم خارج الذات وهذه الأنا المنكتبة على منصة الإعتراف .. هذا النص القصصي كنت دائما أتساءل ما طعمه إذا لم أتوجه أنا أيضا وأكلل قامته بتوقيع يمجد الإختلاف ولايذعن لسذاجة التكرار.. توقيعا يمنحني الكثير من الفرح الطفولي والفائض من الإنتماء القوي لي قبل أن أنتمي لغيري .. توقيعا موغلا في الهوية الحقيقية وإشراق الكينونة .. توقيعا ينتصب في المنطقة المحايدة بين مكرالقبيلة ومملكة الإبداع .. توقيعا تنصهر فيه كل المساومات الممكنة التي تتوافق فيها سلطة الرمز ونزوة الأنا ..
ولما كانت الحكاية فاتحة عهدي بالعوالم السردية الشيقة التي وثقت يراعي بالسرد بعد خيبة الشعر، فقد قررت وبدافع القرابة أن ألج غرفة شهريارلأسترق من شهرزاد سرالبقاء .. في لحظة انتشاء واحتفال بعيد الجسد المنكتب .. لحظة عيد اقتسمت فيه مع أصدقائي : قلمي وورقتي وما انكمن في تلافيف الذاكرة .. هؤلاء هم أصدقائي المفترضين وهم وحدهم من اقتسموا معي عيد الإمتداد الوجودي والرمزي ...
كان هذا المنعطف المتوهج بشموع الميلاد في كنهه استفراد أبهى بتفاصيل القص وانتمائه المتعدد وكان أيضا تملك أروع للوردة التي تنبثق كل مساء من بطن الوسادة … تمضي القصة معي جذلانة من مرفئ جسدي المرهق لتؤوب إلى مرفئ جسدي الواعي بذاته ..
لم يعد بعد ذلك القرارالبعيد من يزاحمني في الركض على وطن اللغة ، والإبحارفي محيطات الإسكتشاف الحكائي … كل نص قصصي هو حكاية لمعركة بين الذات الواعية والذات المنكتبة .. بين الأمكنة الراهنة والأمكنة الناهضة على أنقاض زلزال التجريب .. وكثيرا ما انتهت المعركة بسحبي من قدمي إلى مدينة الشخوص المفترضين والتطواف بي في شوارع اللغة عاريا ، ونادرا أربح المعركة السردية وتنتصراستراتيجيتي في الحكي وخطة طريقي التي رسمتها في ردهة الليل للأطاحة بشخوصي بالحبكة التي ترضيني …
قد تطول المعركة لسنوات أحاصر فيها قلعة النص المتمنع وأوزع كتيباتي على كل الأنفاق والحصون إلى أن يستسلم بطل القصة لأرادة الحكي ...
لكل قصة إذن افتراضاتها .. طقسها المتفرد .. لغتها المخصوصة .. احتمالاتها .. غنائمها .. خسائها ... ولست في النهاية أدري من يمسح سكينه في معطف صريعه : أأنا أم القصة .. كل ما يمنحني لذة النص ولاشيء إلا النص هو استفرادي بعالم الحكاية من دفة العنوان إلى قفل التوقيع .. هي مملكتي التي أرتع فيها وحدي .. أتخاصم وأتصالح فيها مع جثثي .. فأنا لولم أكن أنا لكنت أنا …
|